ألمنارة الملعونة و سر اختفاء أهالي القرية

ألمنارة الملعونة و سر اختفاء أهالي القرية

تقييم 5 من 5.
2 المراجعات

 

 

image about ألمنارة الملعونة و سر اختفاء أهالي القرية

 

 المنارة الملعونة و سر اختفاء أهالي القرية

ألمقدمة

القصة تدور حول شاب اسمه ياسين، هو مصور و قرر ان يدخل في منارة مهجورة و ملعونة رغم تحذيرات اهالي القرية. في داخل هذه المنارة وجد دفتر لحارسها الأخير، فيكتشف بطل القصة ان المنارة ليست مجرد منارة عادية بل هي بوابة لكيان غامض يمكنه ان يقلد الأصوات و اشكال البشر. ياسين يحاول ان يهرب بعدما اكتشف إن المنارة تصنع نسخ من الأشخاص الذين يدخلون في هذا المكان، ولكن حتى بعد هروبه يكتشف ان نسخته وصلت الى القرية فتستمر حالة اختفاء اهالي القرية و ظهور اسماء جديدة في الدفتر، تبدأ اللعنة في الأنتشار، و تضيء مصباح المنارة بحثا عن ضحية جديدة


على أطراف قرية ساحلية نائية، حيث ينتهي الطريق عند جرف صخري يضربه البحر بلا رحمة، كانت تقف منارة قديمة تُعرف بين أهل القرية باسم **المنارة الملعونة**. لم يكن أحد يجرؤ على الاقتراب منها بعد غروب الشمس، رغم أنها ظلت مهجورة لأكثر من ثلاثين عامًا. كان أهل القرية يتناقلون حكاية قديمة تقول إن حارس المنارة الأخير اختفى في ليلة عاصفة، ولم يُعثر له على أثر، بينما ظل ضوء المنارة يدور فوق البحر طوال تلك الليلة، رغم أن المصباح كان قد تعطل قبل اختفائه بسنوات. والأغرب من ذلك أن بعض الصيادين كانوا يؤكدون أنهم يرون أشخاصًا يقفون خلف زجاج غرفة المصباح في منتصف الليل، أشخاصًا يرتدون ملابس غارقة بالماء، ويحدقون في البحر وكأنهم ينتظرون عودة أحد. وكان العجوز منصور، أقدم صيادي القرية، يكرر دائمًا جملة واحدة عندما يسأله أحد عن المنارة: "إوعى تطلع هناك لو سمعت حد بينادي اسمك... مهما كان الصوت اللي هتسمعه."

كان ياسين شابًا في أواخر العشرينات، يعمل مصورًا ويحب الأماكن الغامضة التي تحمل أسرارًا وحكايات قديمة. وصل إلى القرية في بداية الشتاء، بعدما سمع عن المنارة، وكان يريد تصويرها لمشروع وثائقي عن الأماكن المهجورة. في أول ليلة له، جلس في المقهى الصغير القريب من البحر، وسأل الصيادين عن تاريخ المنارة. تغيرت ملامحهم فورًا، وساد الصمت للحظات. حاول أحدهم تغيير الموضوع، لكن ياسين أصر، حتى اقترب منه منصور وقال بصوت منخفض: "في حاجات أحسن ما تعرفهاش." ابتسم ياسين وسأله عن سبب الخوف، فأجابه العجوز: "المنارة دي مش مهجورة... هي بس بتستنى." ضحك ياسين وقال: "بتستنى إيه؟" نظر منصور نحو البحر، ثم قال: "بتستنى حد يفتح الباب." لم يفهم ياسين معنى كلامه، وظن أن العجوز يحاول إخافته. وفي صباح اليوم التالي، أخذ كاميرته ومصباحه وبعض المعدات، واتجه نحو المنارة وحده.

كان الطريق إليها أطول مما توقع. كلما اقترب، اختفت أصوات القرية خلفه، حتى أصبح صوت الأمواج هو الشيء الوحيد الذي يسمعه. وصل إلى الباب قبل غروب الشمس بدقائق. كان الباب خشبيًا ضخمًا، مغطى بالصدأ والملح، وعليه علامات غريبة تشبه آثار أظافر طويلة. الغريب أنه لم يكن مغلقًا. دفعه ياسين ببطء، فانفتح مصحوبًا بصوت صرير جعل القشعريرة تسري في جسده. أضاء المصباح ودخل. كانت رائحة المكان خليطًا من الرطوبة والملح والعفن. أمامه ظهر درج حلزوني طويل يصعد إلى أعلى المنارة. بدأ في الصعود، وبعد عشرات الدرجات لاحظ أسماء محفورة على الجدران. كانت الأسماء كثيرة، وبعضها يعود إلى أكثر من خمسين عامًا. توقف أمام أحدها، ثم شعر ببرودة تسري في جسده عندما قرأ اسمًا حديثًا محفورًا بعمق في الحجر: **ياسين**. وتحت الاسم كان هناك تاريخ اليوم. حاول إقناع نفسه بأن أحد سكان القرية فعل ذلك ليخيفه، لكنه عندما لمس الحروف وجدها رطبة، وكأن شخصًا حفرها قبل دقائق فقط.

قرر أن يكمل طريقه، وفي أثناء صعوده بدأ يسمع خطوات فوقه. كانت الخطوات بطيئة وثقيلة، خطوة بعد خطوة. توقف ياسين، فتوقفت الخطوات. تحرك، فعادت من جديد. رفع المصباح نحو السقف، لكنه لم يرَ شيئًا. ظن أن الصوت ربما صادر من الرياح أو من حركة المبنى القديم، إلا أن الخطوات أصبحت أقرب. فجأة سمع صوت احتكاك شيء معدني بالحجر، ثم صوت شخص يهمس: "لسه بدري." تجمد ياسين في مكانه. لم يكن هناك أحد، ومع ذلك كان الصوت واضحًا للغاية. قرر العودة، لكنه عندما التفت وجد الباب الذي دخل منه بعيدًا بشكل غير طبيعي، وكأن الدرج امتد فجأة عشرات الأمتار. شعر بالخوف، لكنه حاول السيطرة على نفسه، وأكمل الصعود حتى وصل إلى غرفة المصباح. كانت الغرفة واسعة ومغطاة بالغبار، وفي وسطها عدسة ضخمة صدئة. بجانبها وجد مكتبًا خشبيًا صغيرًا وفوقه دفتر جلدي أسود. فتح الدفتر، فوجد مذكرات حارس المنارة الأخير.

في البداية كانت المذكرات عادية، تتحدث عن الطقس وحركة السفن، لكن الصفحات الأخيرة تحولت إلى اعترافات مرعبة. كتب الحارس أن الصيادين بدأوا يسمعون أصواتًا تأتي من البحر أثناء الليل. ثم بدأت تظهر وجوه خلف زجاج غرفة المصباح، رغم أن الغرفة كانت مغلقة من الداخل. وبعد ذلك كتب أن الضوء لم يعد يعمل بالكهرباء، بل بدأ يظهر من تلقاء نفسه. وفي إحدى الصفحات كتب: "الليلة سمعت صوت زوجتي تناديني من أسفل المنارة. زوجتي ماتت منذ سبع سنوات." وفي الصفحة التالية كتب: "الصوت يعرف أشياء لا يعرفها إلا أنا." أما آخر صفحة فكانت مليئة بالكتابة المرتجفة، ولم يكن فيها سوى جملة واحدة: **"إذا عاد الضوء، لا تنظر إليه. وإذا سمعت اسمك، لا تجب."** وما إن انتهى ياسين من قراءة الجملة حتى انطفأ مصباحه فجأة. أصبح الظلام كاملًا. ثم بدأت العدسة القديمة أمامه تتحرك ببطء، رغم عدم وجود كهرباء. ظهر داخلها ضوء أبيض قوي، وانتشر في الغرفة. رفع ياسين يده ليحمي عينيه، لكنه رأى من بين أصابعه أشكالًا بشرية تقف خلف الزجاج.

كانوا سبعة أشخاص. جميعهم مبللون بالماء، ووجوههم شاحبة، وملابسهم قديمة كأنهم خرجوا من البحر بعد سنوات طويلة. لم يتحركوا في البداية، لكن عيونهم كانت ثابتة عليه. ثم رفع أحدهم رأسه ببطء. كان رجلًا عجوزًا يحمل فانوسًا مكسورًا. فتح فمه، وخرج منه صوت منخفض: "ياسين." شعر الشاب بقلبه يضرب صدره بعنف. تذكر ما قرأه، فأغلق فمه ولم يرد. عاد الصوت مرة أخرى، هذه المرة من خلفه: "ياسين..." لم يلتفت. بدأ يسمع عشرات الأصوات في الوقت نفسه، بعضها يضحك، وبعضها يبكي، وبعضها يطلب منه المساعدة. ثم سمع صوت أمه يناديه من أسفل الدرج. كاد يجيب، لكنه تذكر أنه لم يخبرها أنه سيأتي إلى المنارة أصلًا. تراجع خطوة، وفجأة انطفأ الضوء. وفي الظلام شعر بيد باردة تمسك معصمه. صرخ وسحب يده، ثم ركض نحو الدرج.

نزل ياسين بأقصى سرعة، لكنه اكتشف أن الدرج لا ينتهي. ظل يركض لدقائق، ثم وجد نفسه أمام غرفة المصباح مرة أخرى. حاول النزول من اتجاه آخر، لكنه عاد إلى النقطة نفسها. بدأ يصرخ ويضرب الجدران، حتى سمع صوت منصور يأتي من أسفل الدرج: "ياسين! انزل بسرعة!" كاد ياسين يندفع خلف الصوت، لكنه توقف. كان هناك شيء غريب. صوت العجوز كان مطابقًا لصوته تمامًا، وكأنه يكرر كلمات سمعها من قبل. عندها أدرك أن المنارة لم تكن تحاول منعه من الخروج فقط، بل كانت تحاول تقليد أصوات الأشخاص الذين يثق بهم. تراجع ببطء، لكن خلفه ظهر ضوء أبيض مرة أخرى. التفت رغم تحذير المذكرات، فرأى شيئًا أسوأ من كل ما شاهده. لم تكن الأشكال السبعة خلف الزجاج هذه المرة. كانت تقف داخل الغرفة نفسها. وبينهم وقف رجل يشبهه تمامًا، يرتدي ملابسه نفسها ويحمل كاميرته. ابتسم الرجل وقال: "أخيرًا رجعت."

تراجع ياسين حتى اصطدم بالجدار. نظر إلى الكاميرا التي يحملها الرجل الآخر، ولاحظ أن شاشتها تعرض مشهدًا لم يحدث بعد: نفسه وهو يفتح باب المنارة ويخرج منها. ثم تغيرت الصورة، وظهر العجوز منصور واقفًا عند الشاطئ، ينظر إلى المنارة بقلق. وبعدها ظهر أهل القرية وهم يشيعون جنازة شخص لا يستطيع ياسين رؤية وجهه. سقطت الكاميرا من يده، وعندما رفع رأسه لم يجد الرجل الآخر. لم يبقَ في الغرفة سوى العدسة والدفتر. فتح الدفتر مرة أخرى، فوجد صفحة جديدة لم تكن موجودة من قبل. كانت الكلمات تظهر أمام عينيه واحدة تلو الأخرى، كأن يدًا غير مرئية تكتبها: **"لا يمكن للمنارة أن تفتح الباب مرتين للشخص نفسه."** ثم ظهرت جملة أخرى: **"لكنها تستطيع أن ترسل نسخته بدلًا منه."**

فهم ياسين أن كل شخص دخل المنارة ربما ترك وراءه نسخة منه، نسخة تستطيع العودة إلى القرية والتصرف كما لو أنها الشخص الحقيقي. لم يكن هدف المنارة قتل زوارها، بل استخدامهم كوسيلة للعودة إلى العالم. بدأ ياسين يبحث بجنون عن مخرج، حتى لاحظ نافذة صغيرة في غرفة المصباح تطل على البحر. كسر الزجاج بكرسي خشبي، ووجد حبلًا قديمًا مربوطًا حول إطار النافذة. دون تفكير، أمسك الحبل وقفز إلى الجرف. سقط لمسافة قصيرة قبل أن يتشبث بالصخور، ثم بدأ يتسلق إلى الأسفل وسط الرياح والأمطار. كانت أصوات المنارة تصرخ خلفه، تناديه باسمه، وتطلب منه العودة. لكنه لم يلتفت. وبعد معاناة طويلة وصل إلى الشاطئ، منهكًا ومصابًا، لكنه حي.

وجد منصور ينتظره عند طرف الطريق. لم يسأله العجوز ماذا حدث، بل نظر إلى المنارة وقال: "إنت سمعت صوتك هناك؟" هز ياسين رأسه. تغير وجه منصور، وقال: "يبقى لازم نمشي قبل ما يطلع الضوء." ركضا نحو القرية، لكن قبل أن يصلا، بدأت المنارة تضيء. دار الشعاع الأبيض فوق البحر، ثم تحرك ببطء باتجاه القرية. أضاء نوافذ البيوت واحدًا تلو الآخر حتى توقف عند منزل ياسين المؤقت. هناك، رأى ياسين من بعيد شخصًا يقف خلف نافذة غرفته. كان يحمل حقيبته، ويرتدي ملابسه، ويبتسم. رفع الشخص يده ولوّح له. ثم سمع ياسين صوته، رغم أن المسافة كانت بعيدة: "متخافش... أنا وصلت قبلك."

في اليوم التالي، اختفى ياسين من القرية مرة أخرى. قالت بعض الروايات إنه غادر قبل الفجر، بينما أقسم منصور أنه لم يغادر أبدًا. وبعد أسابيع، عادت المنارة إلى الظلام. ظن أهل القرية أن اللعنة انتهت، حتى بدأت الأضواء تظهر من البحر من جديد بعد عام كامل. ومنذ ذلك الوقت، أصبح الصيادون يتجنبون الاقتراب من الجرف. أما منصور، فظل يرفض الحديث عما حدث، لكنه كان يضع قفلًا حديديًا ضخمًا على باب منزله كل ليلة. وفي إحدى الليالي، سمع طرقًا على الباب. ثلاث طرقات بطيئة، ثم صوت ياسين يقول من الخارج: "يا عم منصور... افتح، أنا رجعت." ظل العجوز صامتًا. تكررت الطرقات، ثم جاء صوت آخر من خلف الباب: "لو مش هتفتح... أنا هخلي حد تاني يفتح."

في صباح اليوم التالي، وجد أهل القرية منزل منصور مفتوحًا وفارغًا. لم يجدوا داخله سوى دفتر جلدي أسود، كانت صفحاته بيضاء تمامًا... باستثناء الصفحة الأخيرة. كان عليها اسم جديد محفور بحروف عميقة:

**منصور.**

وتحته تاريخ ذلك اليوم.

ومنذ تلك الليلة، أصبحت المنارة تضيء كلما اختفى شخص من القرية.

أما أسوأ ما في الأمر، أن أهل القرية بدأوا يلاحظون شيئًا مرعبًا: كل شخص يعود من ناحية المنارة يكون شبيهًا بالشخص المفقود تمامًا...

لكن عندما يسألونه عن شيء لا يعرفه إلا هو، يبتسم فقط ويقول:

**"اسألني بكرة... أنا لسه فاكر كل حاجة."**

ثم يرفع عينيه نحو المنارة، وكأنه ينتظر منها الإشارة.

وفي منتصف الليل، يدور الضوء مرة أخرى فوق البحر.

**مرة... واثنتين... وثلاثًا.**

ثم يتوقف أمام نافذة أحد البيوت.

ويبدأ صوت من داخل الظلام في مناداة اسم شخص جديد.
 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
علي محسن محمد أمين تقييم 5 من 5.
المقالات

3

متابعهم

3

متابعهم

2

مقالات مشابة
-