اللعبة التي تعرف كل شيء

اللعبة التي كانت تعرف كل شيء
لم تكن ليان تحب الأشياء القديمة.
كانت ترى أن كل شيء انتهى وقته يجب أن يبقى في الماضي، ولهذا كانت تشعر بالملل كلما طلبت منها جدتها ترتيب المخزن الصغير الموجود في آخر المنزل.
لكن في أحد أيام الشتاء، وبينما كانت ليان تبحث عن صندوق فارغ، وجدت صندوقًا خشبيًا مغطى بالغبار.
كان الصندوق صغيرًا، وعليه قفل نحاسي قديم.
حاولت فتحه فلم يفتح.
ثم لاحظت شيئًا غريبًا.
لم يكن هناك مفتاح.
وضعت يدها على القفل، فانفتح وحده.
داخل الصندوق كانت هناك لعبة على شكل فتاة صغيرة.
كانت ترتدي فستانًا أزرق، وشعرها مصنوع من خيوط سوداء، وعيناها من الزجاج.
بجانبها ورقة صغيرة مكتوب عليها:
“لا تسأليها سؤالًا لا تريدين معرفة إجابته.”
ضحكت ليان.
ظنت أن جدتها وضعت الورقة لتخيفها.
حملت اللعبة وأخذتها إلى غرفتها.
وضعتها فوق مكتبها.
وفي منتصف الليل، استيقظت ليان على صوت خافت.
“ليان...”
فتحت عينيها.
الغرفة مظلمة.
جلست على السرير وقالت:
“مين؟”
جاء الصوت مرة أخرى.
“أنا.”
نظرت إلى المكتب.
كانت اللعبة جالسة في مكانها.
لكن رأسها أصبح ملتفًا ناحية السرير.
تجمدت ليان.
أضاءت المصباح بسرعة.
كانت اللعبة ساكنة.
اقتربت منها بحذر.
ثم قالت:
“إنتِ بتتكلمي؟”
لم تتحرك اللعبة.
تنفست ليان براحة.
لكنها قبل أن تعود إلى سريرها سمعت صوتًا:
“أيوه.”
صرخت ليان وأسقطت المصباح.
في الصباح، أخبرت جدتها.
لكن جدتها لم تضحك.
بل تغير وجهها تمامًا عندما رأت اللعبة.
قالت:
“رجعتيها؟”
سألت ليان:
“هي كانت عندك؟”
جلست الجدة على الكرسي وقالت:
“اللعبة دي كانت لأمك.”
صمتت ليان.
كانت والدتها قد توفيت عندما كانت صغيرة.
قالت:
“ماما كانت بتلعب بيها؟”
أجابت الجدة:
“كانت بتسألها أسئلة.”
“وهي كانت بتجاوب؟”
هزت الجدة رأسها.
“كانت تعرف حاجات محدش يعرفها.”
قررت ليان أن تجرب بنفسها.
في المساء جلست أمام اللعبة.
قالت:
“إيه اسم قطتي؟”
أجابت اللعبة فورًا:
“لولو.”
سألت:
“إيه أكتر حاجة بخاف منها؟”
قالت:
“إنك تخسري شخص بتحبيه.”
ضحكت ليان بتوتر.
كانت الإجابات صحيحة.
سألتها عن أشياء كثيرة.
مكان الأشياء الضائعة.
أسماء أشخاص لم تقابلهم.
أحداث حدثت قبل ولادتها.
كانت تعرف كل شيء.
لكن في كل مرة كانت تجيب، كانت تضيف جملة واحدة:
“متسأليش عن المستقبل.”
مر أسبوع.
وأصبحت ليان تتحدث مع اللعبة كل ليلة.
حتى بدأت تعتبرها صديقتها.
لكن في ليلة ممطرة، حدث شيء مختلف.
جلست ليان أمامها وقالت:
“إنتِ تعرفي كل حاجة فعلًا؟”
قالت اللعبة:
“أعرف أكثر مما تتخيلين.”
سألتها:
“تعرفي مين قتل أبي؟”
ساد الصمت.
لأول مرة لم تجب اللعبة.
تغير وجهها.
ثم قالت:
“أبوك لم يُقتل.”
وقفت ليان من مكانها.
“يعني إيه؟”
قالت:
“أبوك حي.”
شعرت ليان أن الغرفة تدور حولها.
كان والدها قد مات منذ سبع سنوات، أو هكذا أخبرتها عائلتها.
سألت:
“فين؟”
أجابت اللعبة:
“في المكان الذي تبحثين فيه كل يوم دون أن تعرفي.”
لم تفهم ليان.
وفي اليوم التالي بدأت تبحث في أغراض والدها القديمة.
فتشت الصور.
الملابس.
الكتب.
حتى دفتر الملاحظات الذي كان يحتفظ به.
وفي آخر صفحة وجدت عنوانًا مكتوبًا بخط يده.
كان عنوان منزل قديم خارج المدينة.
ذهبت إليه.
وجدت منزلًا صغيرًا مهجورًا.
طرقت الباب.
لم يفتح أحد.
لكنها سمعت صوتًا من الداخل.
كان صوت رجل.
“مين؟”
توقفت ليان.
كان الصوت مألوفًا.
قالت:
“أنا ليان.”
ساد الصمت.
ثم فتح الباب.
كان رجلًا أكبر سنًا، بشعر أبيض ووجه متعب.
نظرت إليه.
لم تحتج إلى أن يسألها أحد من يكون.
كان والدها.
بدأت تبكي.
لكن الرجل لم يحتضنها.
بل قال:
“كان لازم تفضلي فاكرة إني ميت.”
صرخت:
“ليه؟”
أجاب:
“عشان أحميك.”
حكى لها أن حياته كانت مهددة بسبب أشخاص تورط معهم في الماضي، وأن اختفاءه كان الطريقة الوحيدة لحمايتها.
سألته:
“واللعبة؟”
تغير وجهه.
قال:
“إنتِ لقيتيها؟”
هزت رأسها.
قال:
“أمك كانت عارفة إنها مش لعبة عادية.”
عادت ليان إلى المنزل وهي تحمل عشرات الأسئلة.
لكن عندما دخلت غرفتها، وجدت اللعبة فوق السرير.
قالت:
“إنتِ كنتِ عارفة إن أبويا حي.”
أجابت اللعبة:
“نعم.”
صرخت:
“ليه ما قولتيليش؟”
قالت:
“لأنك لم تكوني مستعدة.”
ثم أضافت:
“والآن حان الوقت للسؤال الأخير.”
اقتربت ليان منها.
“إيه هو؟”
قالت اللعبة:
“هل تريدين معرفة الحقيقة كاملة؟”
ترددت ليان.
ثم قالت:
“أيوه.”
فتحت اللعبة عينيها لأول مرة بشكل كامل.
وقالت:
“أنا لم أكن لعبة أمك.”
سألت ليان:
“أمال إيه؟”
أجابت:
“أنا اللعبة التي صنعتها أمك لتحتفظ بكل أسرار عائلتك.”
ثم سكتت لحظة.
وقالت:
“وأبوك لم يكن الشخص الوحيد الذي أخفى عنك الحقيقة.”
توقفت ليان عن التنفس.
“مين كمان؟”
لكن اللعبة لم تجب.
فقط أغلقت عينيها.
ومنذ تلك اللحظة لم تتكلم مرة أخرى.
حاولت ليان تشغيلها.
هزتها.
وضعتها أمام المرآة.
لكنها بقيت ساكنة.
وفي اليوم التالي، ذهبت إلى والدها وسألته عن آخر جملة قالتها اللعبة.
عندما سمعها، جلس صامتًا.
ثم قال:
“كان المفروض اللعبة تختار وقتها بنفسها.”
سألته ليان:
“وقت إيه؟”
نظر إليها وقال:
“وقت ما تعرفي إن أمك...”
وتوقف.
لم تكمل ليان السؤال.
لأنها أدركت أن اللعبة لم تكن تعرف كل شيء فقط.
كانت تعرف متى يجب أن تخبر كل شخص بالحقيقة.
وفي تلك الليلة، عندما عادت ليان إلى غرفتها، وجدت اللعبة فوق مكتبها مرة أخرى.
لكن هذه المرة كانت هناك ورقة بجانبها.
فتحت الورقة.
كان مكتوبًا:
“الحقيقة التالية ليست عن أبيك... إنها عنك.”
رفعت ليان عينيها نحو اللعبة.
لأول مرة، شعرت بالخوف الحقيقي.
لأنها فهمت شيئًا واحدًا:
اللعبة لم تكن تحاول إخبارها بالماضي.
كانت تقودها نحو سر لم يحدث بعد.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق