عنوان القطار الأخير

عنوان القطار الأخير

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

القطار الأخير

كانت محطة "الوادي القديم" من أكثر المحطات هدوءًا في المدينة. فمنذ سنوات طويلة، لم تعد القطارات تتوقف فيها إلا نادرًا، وأصبحت معظم الأرصفة خالية إلا من الرياح التي تحمل معها أصواتًا غريبة كلما حل الليل.

انتشرت بين سكان المنطقة حكاية قديمة تقول إن قطارًا يظهر مرة واحدة فقط كل شهر، عند تمام الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الليل. لم يكن يحمل رقمًا، ولا يظهر في أي جدول رسمي، ولم يكن أحد يعرف من أين يأتي أو إلى أين يذهب.

كان الجميع يسمونه "القطار الأخير".

سليم، وهو صحفي شاب يعشق التحقيق في القصص الغامضة، قرر أن يكتشف الحقيقة بنفسه. وصل إلى المحطة قبل منتصف الليل بنصف ساعة، وكان المكان خاليًا تمامًا، باستثناء رجل عجوز يجلس على مقعد خشبي قديم.

اقترب منه وسأله:

"هل صحيح أن هناك قطارًا يأتي في هذا الوقت؟"

رفع العجوز رأسه ببطء وقال:

"إذا وصل... فلا تركبه."

ابتسم سليم معتقدًا أنها مجرد خرافة، ثم شكره وابتعد.

عندما دقت الساعة الثانية عشرة تمامًا، ساد صمت غريب، ثم بدأ يسمع صوت صفارة قطار يقترب من بعيد. وبعد لحظات، ظهر قطار أسود اللون يخرج من الضباب ببطء، دون أي أضواء أو اسم يميزه.

توقفت الأبواب وفتحت وحدها.

دخل سليم وهو ينظر حوله باستغراب.

كانت العربات نظيفة بشكل غير طبيعي، لكن جميع الركاب كانوا يجلسون في صمت تام، ينظرون إلى الأرض دون أن يتبادلوا أي كلمة.

جلس في أحد المقاعد، ولاحظ أن الجميع يرتدون ملابس تبدو قديمة، وكأنها تنتمي إلى عقود مختلفة.

تحرك القطار بهدوء، لكن سليم لاحظ شيئًا غريبًا.

المناظر خارج النافذة لم تكن تتحرك.

كانت الأشجار والمباني ثابتة، بينما كان القطار يواصل السير.

شعر بقشعريرة تسري في جسده.

قرر سؤال الرجل الجالس أمامه:

"إلى أين يتجه هذا القطار؟"

رفع الرجل رأسه ببطء، وكانت عيناه شاحبتين بصورة مخيفة.

قال بصوت منخفض:

"نحن لا نصل... نحن فقط نواصل الرحلة."

ارتبك سليم، لكنه حاول إقناع نفسه بأن الأمر مجرد مزحة.

بعد دقائق، وصل القطار إلى محطة جديدة.

فتح الباب.

لكن لم ينزل أحد.

ولم يصعد أحد أيضًا.

كل ما حدث هو أن شخصًا كان يجلس في آخر العربة اختفى فجأة، دون أن يراه أحد يغادر.

استمرت الرحلة، وبدأت الأنوار داخل العربة تومض.

وفجأة، سمع صوت المذيع الداخلي يقول:

"المحطة التالية... لا عودة."

بدأ الذعر يسيطر على سليم.

ركض نحو الباب محاولًا فتحه، لكنه كان مغلقًا بإحكام.

نظر من النافذة، فلم يرَ سوى ضباب كثيف.

ثم لاحظ شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقه.

انعكاسه في الزجاج لم يكن يتحرك معه.

بينما كان يلهث خوفًا، بقي الانعكاس واقفًا يبتسم ابتسامة باردة.

عاد إلى مقعده وهو يرتجف.

ثم اقترب منه العجوز الذي رآه في المحطة، رغم أنه لم يره يصعد إلى القطار.

جلس بجواره وقال:

"حذرتك... لكن الفضول كان أقوى."

سأله سليم بصوت مرتجف:

"كيف أخرج من هنا؟"

ابتسم العجوز بحزن وقال:

"لا أحد ينزل من القطار الأخير... إلا إذا وجد من يركب مكانه."

في تلك اللحظة، توقف القطار فجأة.

فُتحت الأبواب.

ظهر شاب يقف على الرصيف، ينظر إلى الداخل بفضول، تمامًا كما فعل سليم قبل قليل.

أدرك سليم الحقيقة المرعبة.

كل رحلة تحتاج راكبًا جديدًا.

وقبل أن يتمكن من الصراخ، أُغلقت الأبواب من جديد.

تحرك القطار ببطء داخل الضباب، واختفت المحطة، بينما جلس الركاب في صمت كما كانوا دائمًا.

ويقول سكان المنطقة إن صفارة القطار لا تزال تُسمع مرة واحدة كل شهر، وإن من يقرر ركوبه لا يعود أبدًا، بل يصبح جزءًا من الرحلة، ينتظر الراكب التالي الذي سيدخل بدافع الفضول.


هل كنت ستقاوم فضولك لو شاهدت قطارًا غامضًا يتوقف أمامك في منتصف الليل، أم كنت ستصعد لاكتشاف الحقيقة؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Wamid تقييم 5 من 5.
المقالات

4

متابعهم

2

متابعهم

1

مقالات مشابة
-