صداء في الرواق الخالي

صداء في الرواق الخالي

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

image about صداء في الرواق الخالياولا في أطراف مدينتنا القديمة، يمتد مبنى المستشفى المهجور كظل ثقيل يأبى أن يندثر. كان المبنى يقع على تلة هادئة، وتحيط به أشجار كثيفة تجعل الضوء يغيب عنه حتى في ساعات النهار. لم يكن أحد يجرؤ على الاقتراب منه، ليس فقط بسبب مظهره المتآكل، بل للقصص التي كانت تتداولها الألسن عن الأصوات التي تصدر منه مع هبوط الليل.

​كان طارق شاباً شغوفاً باستكشاف الأماكن القديمة وتوثيق المعالم التاريخية والتفاصيل المنسية في مدينته. بالنسبة له، لم تكن الشائعات حول المستشفى سوى محاولات لإبعاد الناس عن موقع غني بالتاريخ. وفي ليلة هادئة، قرر أن يخوض تجربته الاستكشافية هناك، حاملاً معه حقيبته ومصباحه اليدوي وكاميرا التوثيق.

​وصل طارق إلى البوابة الحديدية الخارجية في حدود الساعة التاسعة مساءً. كانت البوابة مواربة، وتصدر حفيفاً خفيفاً كلما تحرك الهواء. عبر الفناء الخارجي بخطوات ثابتة حتى وصل إلى المدخل الرئيسي. دفع الباب الخشبي الثقيل، ففتح ببطء مطلعاً إياه على صالة استقبال واسعة تغطيها طبقة سميكة من الغبار.

​بدأ طارق يلتقط الصور للمكان؛ الأثاث المتروك في زواياه، المقاعد المتآكلة، واللوحات الإرشادية الباهتة. كانت الرائحة مزيجاً من الرطوبة والأوراق القديمة. تسلل الصمت إلى المكان بشكل كامل، فلم يعد يسمع سوى صوت قدميه وهو يمشى عبر الممر الرئيسي للتقاط المزيد من الصور.

​عندما وصل إلى نهاية الممر الأول، لاحظ وجود درج مهدم يؤدي إلى الطابق السفلي. كان الطابق الأسفل مظلماً تماماً، وازدادت فيه البرودة بشكل ملحوظ. أضاء طارق مصباحه اليدوي وسبح الضوء في العتمة ليبرز جدراناً ملونة بطلاء قديم متساقط. وبينما كان يسير بين الغرف الفارغة، سمع صوتاً خافتاً يشبه حركة أوراق على الأرض.

​توقف في مكانه، ووجه الضوء نحو مصدر الصوت. لم يكن هناك شيء سوى ممر طويل ينتهي بباب مغلق. افترض أن الهواء المتسلل من إحدى النوافذ المكسورة هو السبب. واصل طريقه نحو الباب، وعندما اقترب منه، لاحظ أن المقبض المعدني قديم جداً ومغطى بالصدأ.

​فتح الباب ببطء ليجد نفسه في غرفة صغيرة تحتوي على مكتب خشبي قديم وكرسي متآكل، وخلفهما نافذة كبيرة مطلة على الغابة. وقف طارق يتأمل المكان، وشعر بقيمة التاريخ المخبوء في هذه الزاوية الهادئة. التقط مجموعة أخير من الصور للمكتب والنافذة، ثم قرر أن وقت العودة قد حان.

​أثناء سيره في طريق العودة عبر الممر الطويل، شعر بأن أصداء خطواته تأتي متأخرة ثانية واحدة عن حركة قدميه. توقف ليتأكد، فتوقف الصدى فوراً. ابتسم لنفسه مدركاً أن الهندسة المعمارية للممرات الطويلة هي التي تسبب هذا الارتداد الصوتي الغريب.

​خرج طارق من المبنى وأغلق البوابة الحديدية خلفه، ثم عاد إلى بيته وهو يشعر بالرضا لتكميله جولة استكشافية موثقة بالصور لأحد أهم المباني القديمة في مدينته، متطلعاً لتنسيق تلك الصور والاحتفاظ بها في ألبومه الخاص.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
مروان صلاح تقييم 0 من 5.
المقالات

3

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-