صرخات من البئر الذي لا يجب الاقتراب منه
صرخات من البئر الذي لا يجب الاقتراب منه
لم يكن أحد في قرية "الوادي الأسود" يجرؤ على الاقتراب من البئر الحجري القديم الواقع في أطراف الغابة. كان المكان مهجورًا منذ عشرات السنين، وتحيط به الأشجار اليابسة وكأنها تحرس سرًا لا يريد الخروج إلى العالم. كان كبار السن يرددون دائمًا: "إذا سمعت اسمك يخرج من البئر... فلا تلتفت أبدًا."
ظن الجميع أنها مجرد خرافات لإخافة الأطفال، حتى بدأت الاختفاءات الغامضة.
في إحدى الليالي، عاد الشاب "ياسر" متأخرًا من عمله. وبينما كان يسير بالقرب من الغابة، سمع صوت والدته تناديه باسمه بصوت واضح:
"ياسر... تعال إلي."
ابتسم في البداية، فقد ظن أن والدته تبحث عنه. لكنه تذكر أنها كانت مسافرة منذ يومين إلى مدينة بعيدة.
تجمد الدم في عروقه.
كرر الصوت النداء، لكن هذه المرة خرج من جهة البئر.
اقترب بخطوات بطيئة، وكلما اقترب ازداد الهواء برودة، حتى أصبح نفسه يخرج كالدخان. وعندما وصل إلى حافة البئر، لم ير سوى ظلام لا نهاية له.
ثم سمع همسًا خافتًا:
"انظر إلى الأسفل..."
قاوم الفضول، لكنه استسلم في النهاية.
ما رآه لم يكن ماءً... بل مئات الوجوه الشاحبة تحدق إليه بأعين سوداء فارغة. كانت أفواههم تتحرك في وقت واحد، لكن الصوت خرج كأنه صوت شخص واحد:
"ابق معنا..."
قفز ياسر إلى الخلف وهو يصرخ، لكنه شعر بيد باردة تمسك كاحله.
نظر إلى الأسفل، فلم يجد أحدًا.
ركض بكل ما أوتي من قوة حتى وصل إلى منزله، لكنه لم يخبر أحدًا بما حدث.
في الليلة التالية، بدأ يسمع طرقًا على نافذة غرفته.
طرقات بطيئة...
ثلاث طرقات.
ثم صمت.
فتح النافذة، فلم يجد شيئًا.
وعندما أغلقها، ظهرت على الزجاج من الخارج كف بشرية دامية، ثم اختفت في لحظة.
لم ينم تلك الليلة.
وفي الصباح، وجد آثار أقدام موحلة تبدأ من نافذته وتنتهي عند سريره.
بعد أيام قليلة، بدأ ياسر يرى أشخاصًا يقفون في زوايا المنزل. كانوا لا يتحركون، ولا يتحدثون، لكنهم كانوا يبتسمون ابتسامة واسعة بشكل غير طبيعي.
كلما التفت إليهم اختفوا.
بدأ يفقد عقله تدريجيًا.
قرر العودة إلى البئر لإنهاء هذا الكابوس.
وصل منتصف الليل، وكانت السماء بلا قمر. وقف أمام البئر وهو يحمل مصباحًا صغيرًا.
صرخ:
"ماذا تريدون مني؟!"
ساد الصمت لثوانٍ...
ثم خرج صوت طفل صغير من أعماق البئر:
"نريد فقط أن يحل أحد مكاننا."
اهتزت الأرض تحت قدميه، وبدأت أيادٍ سوداء طويلة تخرج من داخل البئر. كانت أصابعها رفيعة كالعظام، وأظافرها طويلة وحادة.
حاول الهرب، لكن الأرض تحولت إلى طين أسود ابتلع قدميه.
كانت الأيدي تقترب...
واحدة أمسكت بذراعه.
وأخرى أمسكت برقبته.
وثالثة وضعت يدها على فمه حتى اختنق.
اختفى صراخه داخل الظلام.
في صباح اليوم التالي، لم يجد أهل القرية سوى المصباح ملقى بجوار البئر، بينما اختفى ياسر دون أي أثر.
لكن الرعب الحقيقي بدأ بعد أسبوع.
عاد ياسر إلى القرية.
كان يمشي بهدوء، ويبتسم للجميع، ويتحدث بصورة طبيعية.
لكن والدته لاحظت شيئًا مرعبًا.
عيناه لم تعودا كما كانتا.
كانتا سوداوتين بالكامل، بلا بياض، وكأنه ينظر من داخل حفرة لا نهاية لها.
وفي منتصف الليل، استيقظ سكان القرية على صوت واحد يتردد في كل مكان:
"تعالوا إلى البئر..."
خرج بعضهم دون وعي، وكأن قوة خفية تسحبهم.
وفي الصباح...
اختفوا جميعًا.
أما البئر، فقد أصبح أعمق من أي وقت مضى.
ويقول من مر بجانبه في الليالي المظلمة إنه يسمع مئات الأصوات تهمس من الداخل:
"اقترب قليلًا... نحن بانتظارك."
ومنذ ذلك اليوم، اختفت القرية من الخرائط، ولم يعد أحد يعرف مكانها.
لكن إن مررت يومًا بغابة مهجورة، ورأيت بئرًا قديمًا بلا ماء، ثم سمعت صوتًا يناديك باسمك...
فلا تنظر إلى الداخل أبدًا.
لأن الشيء الذي ينتظرك هناك... يعرف وجهك منذ زمن طويل.
